“حينما يتعرض الأمن القومي العربي لتهديد حقيقي ونُستدعى فهي مسافة السكة”، هكذا صرح قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في عام 2014، وهي التصريحات التي تداولها رواد منصات التواصل الاجتماعي مع بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، على ضوء مواقف مصر الذي أثار انتقادات واسعة بين دول الخليج.

 

وفي تفسيره لأسباب الجدل بشأن الدور المصري والدعوات إلى مراجعة خليجية للعلاقات مع القاهرة، نقل موقع "الحرة" عن محمد البغيلي، الباحث السياسي الكويتي، قوله إن "التعاطف الشعبي المصري مع إيران أدى إلى بروز المشاحنات عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، موضحًا أن "دول الخليج لم تتقدم بأيّ طلب رسمي إلى مصر للمشاركة في الحرب".

 

متفقًا معه في الرأي، قال سفير مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة معتز أحمدين خليل، إن "وزير الإعلام المصري أعلن مرارًا أن مصر لم تتلقَّ طلبات في هذا الخصوص، والبيانات والتصريحات الرسمية المصاحبة للزيارات والاتصالات على مختلف المستويات لم تشر إلى ذلك".

 

"كلب إلا ربع لكل مواطن"


وخلال الحرب، نشر الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم مقالاً على منصّة "اكس" بعنوان "كلب إلا ربع لكل مواطن"، انتقد فيه مصر وموقفها من الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وهو ما ردت عليه وزارة الإعلام في بيان رسمي انتقدته فيه بشدة، فيما أبلغ وزير الخارجية الكويتي نظيره المصري بأنه تم إحالة الهاشم إلى النائب العام.

 

وعلى الرغم من ذلك، يرى البغيلي أنه "لا توجد علاقات متوترة بالمعنى الرسمي، وإنما حالة من التراشق الإعلامي والشعبي بين الجانبين، في ظل مكانة مصر كدولة كبرى، وتوقعات شعبية دائمة بدورها في التدخل".

 

في غضون ذلك، دعا إعلاميون ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى سحب وديعة كويتية تقدر بـ2 مليار دولار في البنك المركزي المصري ومراجعة العلاقات مع القاهرة. وهذه واحدة من وديعتين كويتين قيمتهما 4 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري، وتنتهي فترة استحقاقها في أبريل الجاري.

 

وأثارت المشاحنات الدائرة بين أطراف إعلامية في مصر والكويت وتأثر الدولة الخليجية ماليّا بتطورات حرب إيران توقعات بأن تسحب الكويت الوديعتين.

 

لكن خليل أكد أن "الطرفين يحرصان على ترميم أي تصدعات، وفيما يتعلق بالوضع الحالي؛ فتقديري أن السجال على مواقع التواصل الاجتماعي لن ينعكس عمليًا بدرجة محسوسة على المستوى الرسمي".

 

التوجه الخليجي العسكري بعيدًا عن مصر 


وخلال الأسابيع الماضية، فعلت السعودية اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها مع باكستان عام 2025. وبموجب ذلك نشرت القوات المسلحة الباكستانية عددًا من مقاتلات إف 16، وأرسلت عسكريين إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في المملكة.

 

كما شهدت فترة الحرب طلبًا خليجيًا للتعاون العسكري مع أوكرانيا، حيث وُقعت اتفاقيات تعاون دفاعي بين السعودية والإمارات وقطر من جهة، وأوكرانيا من جهة أخرى. 

 

وتشمل الإنتاج المشترك للأسلحة وتطوير تكنولوجيات جديدة، مع التركيز على “الطائرات المُسيّرة” التي أصبح لأوكرانيا باع طويل فيها منذ بدء حربها مع روسيا في 2022.

 

ويرى هاني البسوس، أستاذ العلاقات الدولية في قطر، أن "التوجه الخليجي يركز على الدفاع عن النفس وصد العدوان الإيراني، ومن حق دول الخليج التعاون مع مصر وغيرها من الدول لتعزيز الأمن، دون أن يشترط ذلك الانخراط المباشر في منظومة دفاعية موحدة".

 

وقال خليل إن السعودية "ذهبت إلى أوكرانيا مثلًا بسبب خبرتها الواسعة في التصدي للمُسيّرات والصواريخ بسبب الحرب الروسية ضده.، كما أنها طلبت وتلقت مساعدات عسكرية محددة من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة".

 

وأوضح سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة أن "حكومات دول الخليج تدرك الفارق بين العلاقات السياسية والعلاقات الشعبية، لكنها تطمح لأن تتماشى سياسات القاهرة مع سياساتها، بصرف النظر عن أي عوامل أخرى، بما فيها الرأي العام في مصر، وأحيانًا بصرف النظر عن مصالح مصر؛ وهو أمر غير ممكن".

 

لكن البسوس أكد أن "مصر تعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة من أجل إنهاء الحرب ووقف الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج”، ويشير إلى أن ما تقوم به القاهرة مع دول الخليج يهدف إلى “تحقيق الأمن الجماعي".

 

مستقبل العلاقات بين الجانبين


وقدمت دول خليجية لمصر قرابة 50 مليار دولار مساعدات بين 2011 و2022، وهناك استثمارات خليجية منذ عام 2021 فقط تقدّر بأكثر من 60 مليار دولار، حيث وقعت الإمارات مع مصر صفقة “رأس الحكمة” بقيمة 35 مليار دولار، ثم وقعت قطر مع الحكومة المصرية صفقة مؤخرًا بـ29 مليار دولار قيمة استثمارات في منطقة علم الروم بالساحل الشمالي المصري.

 

وعلى أن ذلك سبق التباين في الرؤى بين الجانبين حول عدد من الملفات الإقليمية كالسودان وليبيا واليمن.

 

ويلفت خليل إلى أنه "دائمًا ما يتردد الحديث عن إعادة شكل العلاقات بين مصر والخليج من فترة لأخرى لأسباب مختلفة، منذ ما قبل الحرب بسنوات. وقد سبق تعليق بعض أنواع المساعدات الخليجية لمصر في مناسبات أخرى، لكن ذلك الوضع لا يستمر كثيرًا، إذ يحرص الطرفان على ترميم أي تصدعات".

 

وفيما يتعلّق بالوضع الراهن، أكد خليل أن الحديث الشعبي الخليجي حول المساعدات الاقتصادية لمصر "يأتي لسببين: الأول ردًا على التقارب بين مصر وإيران على مستوى الرئيس ووزير الخارجية، والثاني غيظًا من التعاطف الشعبي المصري مع إيران".

 

وبدوره يشير البغيلي إلى أن "بعض الأوساط الشعبية الخليجية كانت تتطلع إلى دور مصري أكبر، على غرار ما قامت به السعودية من فتح مطاراتها وموانئها لدول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك انطلاقًا من الدور المحوري لمصر داخل جامعة الدول العربية".

 

وعلى الرغم من استمرار المناكفات والسجالات بين أطراف مصرية وخليجية، إلا البسوس يشدد على أن "العلاقة بين مصر ودول الخليج تُعد جيدة في مجملها، بل ويرى أنه “منذ وقوع العدوان الإيراني على دول الخليج، بدأت العلاقات تشهد تحسنًا ملحوظًا، متجهة نحو مستوى جماعي من التعاون والتنسيق".